حلمت و تمنيت و أحبببت و عملت و في كل مرة خابت آمالي و تحطمت أحلامي، فقدت من أحب و لم يثمر عملي كما أردت.. كان الواقع دائماً أكثر قسوة عما توقعت .. فتحت أذرعي لأحتضن الحياة و استقبلتها بكل الترحاب و لكنها صفعتني بقوة.. ظننتها مرة و سوف تمر، إلا أنها استمرت في صفعي، و كلما تمنيت بشدة كلما صارت صفعتي و خيبتي أكبر تساءلت كيف لا أستطيع؟ إنه أنا الانسان الذي خلقني إلهي قادراً.. كيف تقف في طريقي الحياة؟ لقد ظننتني قادراً على كل شيء. أراجع نفسي الآن و أراجع خططي و مشاريعي، أكانت رغبتي حقاً قوية في الوصول إلي ما صبوت إليه؟ اليوم يملأني الشك .. أشك في نفسي .. في قدراتي و حتى في انسانيتي! لا أريد الآن سوى أن أختفي تماماً، فقد فشلت في ان أكون انساناً و أن أحقق أحلامي و أعيش سعيداً

لا، لا تخاطبني من أعماقي كما تفعل دائماً.. لا أريد أن أسمع، فلا يوجد تفسير يرضيني عن خيبتي.. لقد حلمت و بدأت أن أنفذ أحلامي و فشلت و أنت لم تساعدني.. نعم، لقد قلت لك لتكن مشيئتك .. و لكنك تحبني و لهذا فإنك توافقني على كل ما أريد.. آآآه، أنا لا أفهم بالمرة!

يا ولدي، لقد كنت في الحقيقة تقول لي دائماً: "لتكن مشيئتك.. فحاول أن تشاء ما أريده أنا!!!" نعم، لقد أصبت عندما قلت أنني أحبك و لكن قف و فكر، هناك توازن صنعته في هذا العالم، توازن ما بين حرية هذا العالم و مقدار تدخلي في نظامه.. أنا أحبك و أحب إخوتك أيضاً .. و لهذا فإنك يجب أن تعمل لتحقق ما تريد، هل كنت تنتظر أن تهبط عليك وظيفة الأحلام من السماء لأنك أردت؟ هل تنجح في اختبار لأنك طلبت؟

أفكر ثانية، أليست هذه هي الإرادة؟؟ أن أحلم و أفكر و أعمل فيتحقق ما أريد .. يرد مرة أخرى قائلاً: و كم خططت و عملت من أجل هذا في الحقيقة؟ و متى أعلنت فشلك و استسلامك و حملتني مسئولية خذلانك. انهض من هذا الفشل و ضع خططاً جديدة و حاول مرة أخرى ثم ثالثة ثم رابعة ..

حملت هذه الفكرة بداخلي طوال الوقت و صرت أتخيل دورة الانجاز، تبدأ بحلم فتمر بالتفكير ثم التنفيذ.. هكذا يتحقق ما نريد نحن البشر. تخيلته طوال الوقت يحلم بالانسان ثم يفكر و يصنع له عالماً كاملاً ليستقبله فيه ثم يخلقه هو كما تمناه، على صورته هو.. أخذت أراجع أسباب ما أسميته فشلاً .. هل حقاً أخفقت في بلوغ كل أمانيَّ، هل حقاً فشلت؟؟ أرى الطريق منذ البداية، يوم وجِدت ثم أدركت هذا الوجود و علمت أن لي صانعاً ثم اتصلت بعقلي و أحاسيسي، ما زلت أذكر يوم أحببت و يوم تألمت، أذكر أحلامي كيف كانت تبدأ برغبة صغيرة في التميز، في الإنجاز، في الوصول بوجودي إلي هدفه.. هذه الرغبة التي تنمو معي في كل يوم و في كل حلم من أحلامي.. قليلات هي تلك الأحلام الي ارتقيت بها إلى مرحلة التفكير و التنفيذ.. أحياناً أيضاً ما كان التفكير جزء من الحلم لتصير أحلامي بعدها أوهاماً و تتبخر لقلة اتصالها بالواقع.. ثم أشكو أنه أليم هذا الواقع القاسي الذي لا يطابق رؤيتي الوردية لهذه الحياة التي أمتلكها كانسان. لقد خذلتني إرادتي... أم تراني أنا من خذلتها؟ أشعر به ينظر بأسى لاستسلامي هذا.. كما لو كان يقول : لا تيأس فأنا لم أيأس أبداً...

لا تنظر إليًَ هكذا، فبالطبع أنت لا تيأس .. أنت عظيم و ليس لديك ما يحبطك.. كل مشروعاتك ناجحة

ينظر إليًَ مرة أخرى و يقول: ألا تظن يا ولدي أن رفض أحد أبنائك لك هو مؤلم و محبط، لقد اختبرت الحب أنت أيضاً، ألم تتذوق مرارة المحب المتألم؟؟ فبعدما أكملت خليقتي و استرحت، تركتها حرة.. و عندما لم تتصل بي .. خاطبتها أنا.. كم رفضني البشر في بعض الأحيان و قبلوني في البعض الآخر.. أحياناً بمجانية و احياناً أخرى بشروط و ضمانات.. ملايين السنين و أنا أرى أولادي يسقطون و ينهضون، يحبونني أو يرفوضون وجودي و أحياناً يكتفون بتجاهله.. ماذا تراني فعلت في كل هذه السنوات؟؟ هل أبدت البشرية؟ هل أهلكت الأرض تماماً؟ لم أيأس منكم يا ولدي أبداً، لقد أحببتكم و أردتكم و هكذا سأفعل حتى نجتمع ثانياً.. سأظل أحاول إلى الأبد.. لقد أرسلت للبشر العديد من حاملي الرسائل.. رفضوا الكثير منهم... لم أكن أبغي سوى أن أنقل لهم حبي و تخيلي الأول للانسان في جنة الأرض.. و عندما لم تصل رسالتي واضحة، لم يكن أمامي سوى أن أعيش على أرض البشر في أجسادهم.. أن أكون انسان مثلهم لأوصل لهم شخصياً عشقي لهم.. أن أصير واحد منهم لأنقل ملكوتي إليهم.. و حتى اليوم.. كم يخذلني البشر في كل مكان.. إنهم يتقاتلون.. يدوسون بعضهم البعض.. لدى البعض منهم إرادة غريبة للتدمير – ليست مني هذه و لا تشبه إرادتي التي غرستها فيك- و عذرهم أنهم لا يفهمون الحياة بمعناها الحقيقي.. لا يستطيعون رؤيتها بعيوني أنا.. أنظر يا ولدي إليَّ .. إن محبتي للبشر هي التي دفعتني لسنوات الدهر ألا ايأس منهم..  إنها المحبة التي تولد الإرادة الحقة.. المحبة الصادقة هي التي لا تيأس..

لمستني كلماته.. أسائل نفسي الآن لماذا رفضت أن أسمعه و أن أترك له مساحة ليدلني على أسباب ما أسميته فشلاً.. أين نقصتني المحبة لتتهاون إرادتي؟؟ هل نقصت محبتي له؟؟ هل نقصت محبتي لذاتي و إيماني بها؟؟ هل نقصت محبتي لإخوتي و ثقتي فيهم؟؟

أتذكرني أخطو في حياتي بأتوماتيكية، كأنما مقدر لي أن أحصل على ما أريد بوضع اليد فقط.. بلا استحقاق.. أريد فأتمنى و أحلم و أحياناً أكتفي بالنية الحسنة و الدعوات الطيبة وأتكل على روح العالم لتقودني حيثما أشاء أنا.. على الرغم من أن رغبتي ليست عظيمة.. فهي لا تستند سوى على أمنية فاترة لست أذكر إن كانت حقاً من أعماقي أم لا! أراني في الكثير من الأحيان مخاطباً نفسي قائلاً إن زمن المعجزات قد انتهى.. و أن الله لا يتدخل في شئوننا و لو تدخل فلست أنا الأولى بهذا التدخل .. فمن أنا حتى ينظر لي خالقي؟؟ وأدرك أن محبتي له قد خذلته... أراني أيضاً أحقر من قدراتي و من شأني.. أؤجل إلى الغد أحلامي.. أتكاسل في النهوض و الانجاز و أرى الحلم يتلاشى و يختفي تحت مرأى عيناي...  فأدرك ان محبتي لذاتي قد خذلتها أيضاً.. و أمامي إخوتي البشر.. احترست منهم و صنفتهم جميعاً في سلة واحدة.. نعتهم بالخيانة و نكران الجميل.. أعلنت عدم استحقاقهم لمجهوداتي.. حكمت عليهم بالفشل في المحبة و قررت حرمانهم من ثماري فلم أثمر!! و حينئذ أدركت أيضاً أن محبتي لإخوتي خذلتنا جميعاً..

أرى الآن كل شيء بوضوح.. أرى لماذا ضعفت إرادتي.. لقد صنعني خالقي بكم هائل من المحبة و الإرادة و كما استعملهم أيضاً أعطانيهم.. فأنا مثله.. على صورته و مثاله..

تصعد إليك صلاتي من أعماق روحي.. يا من لمست محبته و إرادته حية في خليقته.. إملأني من إرادتك أو بالأحرى من محبتك.. ثبتها فيَّ، فلا تعد تنقص مني.. أعطني أن أرى من خلال عيونك.. فأرى البشرية كما تخيلتها و آخذ دوري فيها.. يعلو شكري إليك إلى الأبد.. لأنك أبداً لم تفقد الأمل فيَّ و في صحوتي.. أشكرك أيضاً لأن لي إخوة في البشر، يخطون على نفس الطريق.. يسقطوا و ينهضوا معي.. يشدون علي أيدي.. يذكرونني بمحبتك و إرادتك.. إجعلني كل يوم أقترب من الصورة التي في خيالك.. الصورة الأقرب إليك.. فأصير أكثر انسانية كل يوم.