أنا عقل و مشاعر

إنه أنا مرة أخرى. أنظر لنفسي ثانيةً. أبدو مختلفاً هذه المرة! أنظر لكل ما أدركته، لكل ما عرفته عن نفسي. أنظر للمكان حولي الذي يعج بأشياء من كافة اللأصناف حتى تكاد تبدو لي مخترعات عجيبة ثم أدرك أنها أدوات للحياة اليومية إخترعها الانسان. أتأمل فيما صنعته هذه البشرية و أتعجب. كل ما يحوطني من أبنية و أجهزة وإختراعات. كل صوت منبعث من جهاز أو صورة على شاشة خلفها انسان. أرى هذه العجائب و أتسائل، هل الانسان أيضاً خالق؟؟

أعود أنظر لنفسي، إنه لهذا السبب أشعر بالإختلاف اليوم. إنه عقلي الذي أدركه. إنه عقلي الذي أدرك لي كل ما أدركت، إنه عقل الانسان الذي صنع الحضارة و إخترع الأدوات ثم الأبنية ثم الأجهزة.
إنها هذه المادة الرخوية التي تستقر في داخل رأسي و تأمر جميع أعضائي كأنما الرئيس عليهم. لا، لقد تداخلت علىَّ الأمور. فمخي ليس هو عقلي. حسناً المخ هو ذلك العضو المستقر داخل الرأس، يمر فيه عدد لا يحصى من الومضات الكهرائية التي تنقل الأوامر منه و إليه و إلى العالم الخارجي! ينظم وظائف الجسد و يرسل و يستقبل كل الإشارات، كل المؤثرات. إنه هو الذي يحلل الصورة التي تنقلها العينين، و الصوت الذي يأتي عبر الآذان، و هو الذي يترجم ما تلمسه اليدان. إنه المتحكم في هذا الجسد. إنه من يفكر و من يتكلم و من يحدد من أنا و كيف أختلف. و عند هذه النقطة أستطيع أن أسميه عقلاً.

عندما أتجول بفكري في عقول البشرية أرى أيضاً الكثير
فهنالك عقولاً صنعت الحضارة
و عقولاً أخرى هدمت الحضارة بحروبها
هناك عقولاً أثرت حياة البشرية بمخترعاتها النافعة
و أخرى صنعت السلاح الذي قتل به الانسان أخيه و تفننت
هناك عقلاً أبدع فناً يرتقي بالروح و يعلو بها إلى السموات
و آخر صنع ما يخاطب غرائزه فقط
و هناك من حاول يشفي المرض و يمنعه
و من إخترع فيروساً جديداً ليبيد أعدائه من البشر

أحتار حقاً، لما صنعنا الله قادرين هكذا؟؟ إنظروا لكل ما صنعناه.. لقد أخذنا الأرض بكراً و أحطناها بأبنيتنا و أجهزتنا، لقد نافسنا القمر في السماء بأقمار صناعية لنعزز اتصالاتنا، لقد وجدنا الدواء و لكننا خلقنا المرض، لقد صنعنا الفن و خلقنا السياسة. حقاً لماذا نحن قادرين هكذا؟
و إذا كنا قادرين هكذا، فبماذا أفسر الجنون؟ بماذا أفسر الجهل و التخلف؟ بماذا أفسر فقدان العقل؟

عقلي يخاطبني قائلاً: و ما مشكلتك في كوننا قادرين؟ ألا ترى أن كل استعمل عقله بحسب معتقداته و أفكاره؟ أن العقل ربما يكون قد انقلب على البشرية و لكنه يبقى حراً أبداً.
لقد سجنوا الأجساد و قيدوها و لكن العقل ظل حراً. لقد تخطى العقل حدود الجسد الذي يسكنه. لقد أدرك عقل الانسان أن له خالق و أدرك بدوره أنه هو أيضاً خالق.

هه؟؟ حسناً يا عقلي العزيز، لقد مسك الجنون!!

لا يا ولدي،
إنه أنا من أخاطبك من خلال عقلك،
نعم يا ولدي، لقد خلقتك خالقاً.
نعمـ أنت لا تستطيع أن تخلق شيئاً حياً
و لكنك عمرت الأرض بكل ما بها.
لقد خلقتك لي شريكاً في هذه الخليقة،
خلقتك لتصنع معي.
أكنت أشيد لكم مبانيكم و أعمل لكم أجهزتكم؟
لم أخلق لك الحاسب الآلي الذي صنعته أنت
و لكنني خلقت الأعظم
خلقتك أنت
و خلقت لك عقلاً لتستكمل ما بدأته أنا.

*****

تمر أيام و خلفها أيام و أعيش مع إخوتي البشر. أستخدم جسدي و عقلي، أفكر معهم و أكل معهم. نعيش سوياً!
و أشعر بنفسي مختلفاً كل يوم. أرتبط بهم، أحتاج إليهم، أخاف عليهم أن يمسهم أي سوء، أريد أن أخدمهم، أختلف معهم، أريد أن أضرب بعضهم أحياناً. أفرح كثيراً و أحزن كثيراً أيضاً في مرات أخرى. أحببتهم و كرهت البعض أحياناً. إنه المشاعر التي تنمو كل يوم و أدرك أنني أكثر من جسد و عقل و روح، لدي أيضاً المشاعر. تلك الأحاسيس التي تنمو في مكان ما بداخلي –لم اتأكد بعد لو كان قلبي أم عقلي- كلما إزدادت علاقتي بالبشر.

في وجودي معهم، تعلقت بانسان آخريشبهني كثيراً و لكن يختلف عني كثيراً أيضاً. كائناً جميلاً هو. أحببت هيئته، و أعجبت بعقله. أصبحت أشتاق إلى أن أراه أكثر من الجميع و هو أيضاً كان يشاركني نفس الإحساس. و أدركت أن هذا هو الحب! نعم، أنا أحب.
أحب أن أراه و أحب أن أراه سعيداً، أجزع عندما يمر بخاطري أن سوءاً قد يمسه. أجد سعادتي بقربه و أتمنى له كل الخير. أود أن أقضي كل أيامي معه و أحبه و أخدمه و أدخل السعادة إلى نفسه. لم يكن مثلي و لكنه كان يكملني.
إنها سعادة عظيمة تلك التي أشعر بها، إنها تتخطى كل الحدود المتعارف عليه، إنها تفوق الوصف، إنها السماء، حقاً لقد لمست السماء بيداي!

إفترقنا..

كما يفترق الجميع.. تتعدد الأسباب و يظل الفراق كما هو.. العكس التام للسعادة الفائقة الوصف، الألم الذي يفوق الإحتمال...
الألم الذي لم أرى له حلاً، الألم الذي جعلني أتمني الموت حتى لا أعيش تلك اللحظات الكئيبة.
تتعدد الأسباب أيضاً و تتعدد الآلام، و لكن يظل ألم النفس هو الأعظم.. هذا الألم الذي يعتصر في النفس و قلما يجد منه الانسان مخرجاً. قيل لي أن لي في الصلاة دواءاً و ان أملي الوحيد هو أن الوقت سيمحو كل شئ.

و لكنني ألومه.. ليس علي الفراق.. و لكن على الحب!!
نعم لماذا نحب لنفترق؟؟
لماذا نتعلق ببعضنا لنموت؟؟
لماذا نأمل في الحياة و نتطلع إلى الأفضل ليخيب أملنا؟؟
لماذا نحب فنتألم؟؟

أشعر بنظرته الحانية لي، كأنما يريد أن يربت على أكتافي و يحتضنني.

يتكلم كما يخاطبني دائماً من أعماقي..
هل تظن يا ولدي أن الألم هو أسوأ ما في الحياة؟؟
أنظر مرة أخرى و ستدرك أنك تتكلم من منطلق إحساسك بالأم و الخيبة فقط
أسوأ ما في الحياة هو اللا حب، اللا إحساس، اللا إهتمام، اللا مبالاة
أن تحب هو أن تخوض مغامرة عظيمة، الألم قد يكون إحدى ضرائبها
و لكن أن ترفض الحب من البداية، هو أن تقرر الموت حياً!
تلك النار المقدسة التي لمست قلبك عندما أحببت فأشعلته
تلك النار كانت أنا
لقد إختبرتني يا ولدي
فمهما كان الألم في هذه الحياة.. فإنه لا يساوي لحظة واحدة مني في قلبك
ألا ترى أنني أتألم معك؟؟
منذ بدء الخلقة و أنا أتألم لألمك
و أن نار المحبة التي أشعلت قلبي بحبك هي من دفعني إلى الألم
الألم و حتى الموت من أجلك..
إفرح يا ولدي، فقد أضاءت شعلتي بداخلك
إفرح يا ولدي لأنني أحببتك و تألمت من أجلك
كل ما حدث لك كان عظيماً، لأنك في إرتباطك بالبشرو في حبك و في ألمك و في كل مشاعرك تختبر وجودي و تشعر بإحساسي و تكون واحداً معي...

* مقالات أكتبها لمجلة دعوة خاصة جداً - تصدر عن نشاط أغصان الكرمة - الجزء الأول هنا